ابن عربي
85
مجموعه رسائل ابن عربي
سلوكهم وطهارتهم من عالم الوعي العقلي ، فلا عجب إن وجدنا العلماء المعمليين والفلاسفة في القرن العشرين يقولون : « إن من لم يقف إزاء هذا الكون وقفة صوفية فهو حي حكمه حكم الميت » « 1 » . بقي نوع من الدارسين ليس له معمل يهيديه بمعادلاته ، ولا فلسفة يحاول الاستهداء بمنطقها ، بل يعيشون في دائرة ضيقة لا يريدون أن يتزحزحوا عنها . فإذا ما حاولوا الانطلاق أوحى إليهم الهوى فتعقبوا الخير في البشرية هدما وتخريبا ، وجردوا تراثهم الإسلامي من كل سمات الانطلاق . لا لشيء إلّا للدعوة لمبدأ الفردية . والقضاء على مبدأ الشخصية . أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا . وقد جمد هؤلاء على دائرة يبدأون من أي نقطة منها وينتهون إليها . ويحكمون السير على خط هذه الدائرة لا يتعدونها . وتلك سمة الانطلاق عندهم . فإذا ما انطلق غيرهم وحلق على أبعاد سحيقة من عالمهم اتهموا بالحمق والزندقة والإلحاد . إن تفسير الظواهر الدينية والكونية بغاياتها القريبة بؤرة الخداع النفسي المقيتة ، لأن نفوسنا في هذه الحالة توثقنا إلى تلك الغايات القريبة وتدفعنا بعيدا عن أصل الوجود وبارىء الكون . تربطنا إلى النفعية وتبعدنا عن مبدأ الخير للبشر ، تربطنا إلى المادة التي أفلتت من أيدي العلماء وأجهزة المعامل ، وتزيحنا عما تبوأه غيرنا من مكانات كانت لنا بالأمس . وتلك أخطر الأدواء على تراثنا مهما كره الكارهون . إن كتاب العبادلة لون من هذا الانطلاق المائج الجياش أقدمه إلى القراء راجيا من اللّه تعالى أن يجعله خالصا لوجهه . وأن يجنبنا الزلل بمنه وفضله . وأن يسير بنا على السنن الحميد ، إنه سميع مجيب .
--> ( 1 ) اينشتين ( عقائد المفكرين في القرن العشرين للأستاذ العقاد ) .